الشيخ محمد علي طه الدرة

476

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ أي : نفر من منى إلى مكّة في اليوم الثاني من أيام التشريق . فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ : فلا مؤاخذة عليه بشرط أن ينفر قبل الغروب ، ويرمي فيه بعد الزوال عند الأئمة الثلاثة ، إلا أبا حنيفة فإنّه يجيز الرّمي قبل الزوال ، بخلاف الرمي يوم العيد ، فإنّه يدخل وقته بنصف ليلة النّحر . وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ أي : تأخر في الخروج من منى إلى اليوم الثالث من أيام التشريق ؛ فلا حرج ، ولا جناح عليه . وينبغي أن تعلم : أن المبيت بالمزدلفة ، وبمنى ، والرّمي في يوم العيد ، وفي اليوم الثاني بعده ، والثالث : وهو الثاني من أيام التّشريق واجب ، فمن ترك شيئا من ذلك فعليه دم ، انظر ما ذكرته في الدّماء في الآية رقم [ 196 ] . لِمَنِ اتَّقى اللّه في حجّه بأن قام بشرطه ، وأركانه ، وواجباته ، وآدابه . وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا . . . إلخ ؛ أي : خافوا اللّه ، وأيقنوا : أنكم مجموعون إليه للحساب ، والجزاء ، فيجازيكم بأعمالكم ، إن خيرا ؛ فخير ، وإن شرّا ؛ فشرّ . هذا ؛ وأصل : ( اتَّقى ) و ( اتَّقُوا ) اوتقى ، واوتقوا ، فقلبت الواو تاء ، وأدغمت التاء بالتاء . تنبيه : يكثر النهي في القرآن الكريم عن العجلة ، واستعجال الشيء قبل أوانه ، وهذا النهي أكثر ما يوجّه للكافرين الذين طلبوا استعجال العذاب ، وقد يوجه إلى بني آدم جميعا ، وقد توجّه إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في سورة ( طه ) رقم [ 114 ] وفي سورة ( القيامة ) أيضا . بينما حث اللّه تعالى على المسارعة إلى فعل الطاعات ، فقال تعالى في سورة ( آل عمران ) رقم [ 133 ] : وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ وقال جل ذكره في سورة ( الحديد ) رقم [ 21 ] : سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ كما وصف أنبياءه ، ورسله بأنهم كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ في الآية رقم [ 90 ] من سورة ( الأنبياء ) وهذا لا يناقض ما ورد : « العجلة من الشّيطان ، والتّأنّي من الرّحمن » . وقال الشاعر : [ البسيط ] قد يدرك المتأنّي بعض حاجته * وقد يكون مع المستعجل الزّلل لأن المسارعة إلى الطّاعات مستثناة من ذلك ، كما أنّ هناك أمورا تسن المبادرة إلى فعلها كأداء الصلاة المكتوبة إذا دخل وقتها ، وقضاء الدين بحق الموسر ، وتزويج البكر البالغ إذا أتى الكفؤ ، ودفن الميت ، وإكرام الضيف إذا نزل . وخذ ما يلي : فعن عليّ - رضي اللّه عنه ، وكرّم اللّه وجهه - قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « يا عليّ ! ثلاث لا تؤخّرها : الصّلاة إذا أتت ، والجنازة إذا حضرت ، والأيّم إذا وجدت كفؤا » . أخرجه الترمذي ، وجاء في الشّعر العربي الحثّ على العجلة ، قال بشار بن برد الأعمى : [ البسيط ] من راقب النّاس لم يظفر بحاجته * وفاز بالطّيّبات الفاتك اللّهج